علمعلم نفسمغالطات

عين الحسد في العلم

ولد طفل في بيت لأسرة غنية، في يوم توهج فيه نجم نحس في السماء، فأصبحت عيناه شريرتان، لا ينظر بهما إلى شيء إلا ودمرتهما، بهما يُمرض ويقتل الناس، وإذا لم يغطيهما ونظر بهما إلى قطيع من الأبقار قتلها كلها، أي شيء يمدحه يهلك، ولسوء حظه توفي والداه الأغنياء من شدة حزنهما عليه، أطلق الناس في مدينته عليه اسم “العين الشريرة”.

لم يجرؤ أحد على زيارته خوفا منه، وهرب العمال الذين كانوا يعملون في منزله، فبقي وحيدا، وازداد في وحدته، فباع منزل والديه بعدما كبر، وانتقل إلى منزل جديد على ضفة نهر فيزتولا، بناه لتطل نوافذه على النهر، حتى لا ينظر إلى شيء في المدينة ويقضي عليه، وقد جرب في السابق النظر إلى بيوت ريفية من حول بيته فاحترقت، حتى العربات لم تسلم منه إذا ما نظر إليها، ولذا كان من الأفضل ألا تطل النوافذ على ما حوله، وحتى بعد أن جعل النوافذ تطل على النهر، لم تسلم بعض قوارب الصيد من عينيه الشريرتين.

لم يخرج ذو العين الشريرة من بيته إلا نادرا، أصبح وحيدا إلا من خادم واحد اسمه ستانيسلاس، كان يريبه في صغره، ويبدو أنه لم يتأثر من عينه.

يحكى أن أحد الصيادين الشجعان أتى لمنزله ليشتكي، أخذه ستانيسلاس إلى سيده حيث كان يأكل، رغم أن ستانيسلاس كان خائفا من النتائج، تضايق السيد من حضور الصياد في ذلك الوقت، فنظر إليه وهو عابس وإذا بالصياد يتوقف عن الكلام ويقع على الأرض مغشيا عليه، فأخرجه الخادم إلى قاربه، وقدم إليه بعض المال، مرض الصياد لفترة طويلة من الزمن، وبعد أن تشافى أخبر أصدقاءه الصيادين بما حدث له، فلم يجرؤ أحدا على المرور أمام منزل العين الشريرة بالقارب، وإذا حدث وأن مر أحدهم به لم ينظر إلى منزله ودعا الله أن يحمينه من عينيه.

 وإذا ما خرج ذو العين الشريرة الحزين التعيس من المنزل جلب معه خادمه، حتى يحذره إذا ما اقترب من قرية ما أو إنسان ما، وإذا ما مر على قرية أو بشر، أنزل رأسه لينظر إلى كومة قش أسفل رجليه، لكيلا يؤذي شيء من حوله. لقد جلبت له عيناه الانعزال والتعاسة المطلقة.

قضى السيد سنينا منقطعا عن الناس، وبعد فترة من انقطاع الناس جميعا عنه، وفي يوم من أيام الشتاء العاصف، جلس مع ستانيسلاس، وإذا بهما يسمعان صراخا خارج المنزل، رجل ينادي، يطلب المساعدة، فخرجا معا، وإذا بعربة مقلوبة على الطريق الثلجي، شيخ كبير في السن، وزوجته التي أغمي عليها، وابنتهما الجميلة، ساعد السيد وخادمه ستانيسلاس الأسرة، وأدخلاهم إلى المنزل، فأكرمهم السيد كرما كبيرا، وسعد جدا لوجود ضيوف في منزله، فنفض عن نفسه الحزن والتعاسة شيئا ما.

لا تنسى أن تدعم السايوير بودكاست من خلال Patreon، كن مع الداعمين.
Become a Patron!

سهر ذون العين الشريرة متأخرا في الليل يفكر، شعر وكأنه مجرم سجن في منزله رغم أنه لم يرتكب أي جريمة، ولم يضر بأحد بقصد، وتمنى من الله لو يزيل منه عينيه.

في اليوم التالي لم يستطيع الضيوف المغادرة لأن زوجة الشيخ كانت مريضة، فسعد السيد لبقائهم مدة أطول معه، وبعد أسبوع من بقائهم معه في منزله تحسنت صحة الزوجة، شعر الأب الشيخ أن السيد أعجب بابنته فأخبر زوجته بذلك، وفي ليلة من الليالي طلب السيد يدها من أبيها، فوافق الأب مباشرة، وحتى أنه لم يطلب أي مهر لها، فتزوجا بعد ذلك بأشهر، وغادر الأبوين.

وبعد مرور فترة من الزمن علمت الزوجة الحامل أن عينا زوجها شريرتين، وخصوصا لو نظر إليها قليلا جلب لها الويلات، ولذا لم يعد ينظر لها خوفا عليها وحبا فيها، طلبت منه زوجته أن ينظر إليها ولو مرة واحدة فرفض، وقدم لها سكينا، وطلب منها أن تقلع عينيه من رأسه، لم يعبه لبركة القدرة على الرؤية لأنها كانت لعنة تدمر كل ما حوله، وخصوصا أن زوجته ستلد قريبا ويخشى أن يضر بطفله، لكنها رفضت طلبه، وبكى الإثنين معا.

وفي يوم من الأيام علت في المنزل صرختان، صرخة طفل قد ولد، وصرخة السيد الذي قلع عينيه من رأسه، الأول رأى النور، والثاني فقد القدرة على رؤيته.

دفن ستانيسلاس عيني السيد في التراب.

بعد مرور سنوات، أضيفت نوافذ جديدة تطل على الجهة الأخرى من المنزل، تطل على القرية، وعادت حركة القوارب وانتعش الصيد، وعاد العمال والخدم للعمل في منزل السيد الأعمى، وسعدت الأم مع ابنتها الصغيرة، التي كانت تساعد والدها الأعمى في الحركة من مكان إلى آخر.

في يوم من الأيام أراد ستانيسلاس الكبير في السن أن يعرف ما الذي حدث للعينين اللتين دفنهما؟ هل هلكتا؟ ذهب إلى المكان الذي دفنهما فيه، وحفر، فوجد عينين متفحمتين كالفحم، وإذا بهما يبرقان، وبمجرد أن أصابت عيني السيد الضامرتان وجهه المجعد سقط على الأرض ميتا، كانت تلك المرة الوحيدة والأخيرة التي أصابت العينان خادم السيد وأضرت به، لقد كان سيده يحبه حبا جما، فقاوم قلبه إصابة ستانيسلاس بعينيه، ولكن العيني الآن أصبحتا حرتان، لا تتعلقان بتأثير قلب السيد، فأصبحتا أكثر شرا فقتلت الخادم الطاعن في السن.

حزن السيد على خادمه حزنا شديد، ودفنه، أصبح قبره مزارا يدعو عنده الصايدون.

كانت هذه القصة من الفولكلور البولندي، اختصراتها لكم 1)Slavonic Fairy Tales/The Evil Eye.

ما هي العين؟

موضوعنا اليوم عن العين، لقد قضيت أكثر من 4 سنوات أبحث بين الحين والآخر عن رأي العلم فيها. لا أدعي إني قضيت كل أيامي ووقتي على هذا الموضوع، ولكني بين الحين والآخر أرجع للموضوع وأبحث في الأوراق العلمية، لعلي أجد تجربة علمية أقيمت عليه، لأرى إن كانت العين فعلا لها ذلك التأثير المزعوم أم أنها مجرد مغالطة في التفكير، المشكلة التي كنت أعاني منها هي البحث عن شيء يتكلم عن العين صراحة، فأجد أبحاث العلمية قليلة تتكلم عنها تحت كلمة العين الشريرة (Evil Eye). وهذه كانت المشكلة، فلقد وجدت أن البحث عن العين أو Evil Eye بحد ذاتها لا تأتي بنتائج غنية، وكنت أتساءل هل العلم لم يبحث في هذا الموضوع؟ هل يعقل أن مع كل أولئك الناس الذين يؤمنون بالعين لا توجد أبحاثا صريحة تؤكد أو تنفي هذا الاعتقاد؟ هل من الممكن أن العلم غفل عن هذا الموضوع؟

وعلى مر الوقت اكتشفت أنني كنت أجهل طريقة البحث الصحيحة في الموضوع، وأنه من المفروض أن أُنوِّع في كلمات البحث، حيث أن العلم دقيق جدا في المصطلحات، فبدلا من كلمة عين استخدمت كلمة Tempting Fate 2)Why People are Reluctant to Tempt Fate أو تحدي القدر أو مجموعة من الكلمات الأخرى مثل Episodic Envy، كلمة أكثر دقة من العين بمراحل، لماذا؟ لأن العين الشريرة بمعنى أن العين هي التي تؤثر على الأشياء لا معنى لها، فالعين لا تصدر موجات من أي نوع حتى تؤثر على الأشياء، إنما الأمر يرجع إلى ما يفكر فيه الإنسان بداخل نفسه، فالعين بالمعنى الصحيح هي فعلا تحدي للقدر، وهو ما يتفق تماما حتى مع ما نعرفه نحن اليوم عن معنى العين.

فإذا ما أردنا أن نعرف العين نوعا ما- وهذا أمر يعرفه الجميع- لا نقول أن العينان المجودتان في الرأس هما اللتان تتسببان بالضرر، أي العينان اللتان تستخدمان لاستقبال الضوء ليستا هما السبب في الحوادث، إنما المقصود بالعين النفس التي توجه سهامها للبشر أو الحيوانات أو حتى الجمادات من خلال شعور داخلي معين فتصيبه بمكروه. هذه هي العين، هي أمر يصدر من النفس ويؤثر على الطبيعة أي كانت نوع هذه الطبيعة. فتغير هذه النفس الحقودة قدر الإنسان أو الحيوان أو الجماد، وتتفاوت تأثيراتها لتصيب الشخص بإصابات بسيطة إلى حادة لدرجة أنها تدخله إلى القبر، وهذا ينطبق على الحيوانات، وحتى الجمادات تتأثر منها فتتدمر بطريقة أو أخرى. هذا هو ببساطة القالب المقبول لمعنى العين الذي يقر به الناس في هذا العصر.

نعم، لقد كانت في يوم من الأيام العين الموجودة في الرأس هي التي تصيب الأشياء كما كان القدماء يظنون، ولكن هذه الفكرة اضمحلت مع فهم كيفية عمل العين، فهي تستقبل الضوء، ولا تطلقه، ولذلك أصبحت كلمة العين تعني أمر داخليا لا علاقة مباشرة له بالعين البيولوجية، وأتمنى من المستمعين الذين يظنون أن العين يقصد بها العين الحقيقية يراجع هذا الموضوع، لأنه منتهي منذ أيام ابن الهيثم، فقد استدل بأدلة بسيطة أن العين ليست الشيء الذي يصدر الضوء، إنما المستقبل له، أما اليوم فالعلم في هذا الموضوع حدث ولا حرج، ولا داعي أساسا لأن أدخل فيه حتى أثبت أن العين لا تطلق شيء.

كذلك، نحن كثيرا ما نخلط بين كلمة الحسد والعين، وفي بعض الأحيان حينما نتكلم عن العين نقول أن شخصا محسود، أو أن شخص حسد شخصا آخر، ولكني وجدت أن الخلط بينهما يجانب الدقة، فالحسد هو شعور داخلي يَشعر الإنسان به، ويتمنى زوال النعمة عن طرف آخر، وفي نفس الوقت يقوم بعمل فعلي يضر بالشخص الآخر، فمثلا، أنت على وشك الحصول على ترقية في عملك، فعلم زميلك بذلك، وشعر أنك لا تستحقها، وأنه هو المستحق، يذهب إلى رئيسك في العمل، ويحاول أن يثنيه عن ترقيتك، ويقنعه بأنك لا تستحقها، هنا لم يكتفي الشخص على الشعور الداخلي، إنما قام بشيء فعلي أثر عليك. العين تختلف في أن الشخص الذي يشعر بالحقد عليك لا يحتاج أن يتدخل بأي فعل طبيعي للتأثير عليك. الشعور الداخلي يترجم إلى تأثير خارجي بشكل خفي، يصل تأثيره بشكل أو آخر عليك وتصاب بالمكروه.

من غرائب العين أن ليس لها توقيت معين في تأثيرها، وليس لها درجة معينة من الشعور النفسي الذي يجعلها مؤثرة، وقدرتها تتفاوت بين تأثير يكاد يكون معدوم إلى ما لا نهاية من التأثير السلبي، ولا تضبط في كل مرة، وأحيانا صاحب العين غير موجود، يكفي أن نعرف أن هناك خلل ما حدث، فنقول لابد أنك مصاب بالعين.

فمثلا ستلاحظ أن العين تؤثر بعد لحظة زمنية مباشرة بحيث أن الشخص يرى حصانا جميلا، فيقول مثلا: “عجييييب!” ومباشرة بعدها يسقط الحصان على الأرض، أو مثلا بإمكان الشخص أن يظهر إعجابه بمزرعة، وبعد 10 أيام تذبل كل محتوياتها، تأثير العين يأخذ ثانية أو عشرة أيام، والأغرب أحيانا أن العين لها تأثير يرجع بالزمن إلى الوراء، ستجد أن شخص يشاهد مباراة كرة قدم بالبث المباشر على التلفزيون لكأس العالم في البرازيل وهو في الكويت، المسافة بينهما 11,500 كيلومتر، لما يقترب المهاجم المتفرد بالكرة بالقرب من الهدف، لا يوجد أحد من حوله لصد هجمته، يركل الكرة بقوة ناحية مرمى الهدف، وإذا بشخص يصرخ “جول” بلحظة زمنية قصيرة جدا، فتصطدم الكرة بالعمود ولا تدخل الهدف، فيتهم الحاضرين الشخص أنه أصاب بعينه الهداف، مع العلم أنه في الوقت الذي صرخ أتى بعد أن ضربت الكرة العامود في البرازيل، الحدث مر عليه ثوان بسيطة في البرازيل قبل وصول البث إلى التلفزيون في الكويت، لأن الإشارة أخذت وقتا حتى تصل إلى شاشة التلفزيون لمروها في محاطات البث وصولا إليه، أي أن الحدث مر، والعين أصابته بأثر رجعي. أمر محير!

وكذلك إذا نظرنا في نفسية الشخص ذو العين سنجد أن انفعاله أحيانا تكون بقوة، وأحيانا يكون بضعف شديد، ولا تهم درجة الانفعال مع الشيء لكي يكون تأثير العين قوي أو ضعيف، أما عن تأثير العين على الأشياء فيتفاوت، من انقطاع عقد جميل، أو سقوط شخص على الأرض، أو كسر يد أو موت حيوانات كثيرة في مزرعة، أو الإصابة بالسرطان، أو انقلاب سيارة، أو حتى انفجار ضخم، درجة تأثير العين على الأشياء متفاوت إلى أقصى الحدود، وأنواع الأمراض لا حد لها، ولكن في نفس الوقت تجد أن شخص يقول أن هناك أعرض للإصابة بالعين، مثل التعرق، والنفس الشديد أو ما شابه، لماذا لم يدخل كسر اليد أو السرطان أو القولون أو ما شابه من أمراض متعددة في أعراض العين، أمر محير آخر.

وتجد العين لا تضبط كل مرة، فمثلا شخص معروف عنه أنه يصيب الآخرين بالعين، تجده أحيانا يقوم بنفس الأسلوب الذي قام به لقلب السيارة بالعين، وتحت نفس الظروف نجد لا تأثير على سيارة أخرى، ولا حتى على تحريك ذرة غبار. أيضا تناقض غريب.

وكذلك من الناس من إذا رأى بك علة يقول لك أنك مصاب بالعين، من غير الحاجة لأن يكون هناك شخص معين له أي دور مباشر يؤثر بك، فمثلا إذا ما مرضت بين الحين والآخر، أو أحسست بألم معين في الركبة، يقال لي: “لابد أن هذه عين”، كيف توصل أي شخص لمثل هذا التحليل من غير أي شواهد أمر محير جدا، لا أستطيع فهمه.

من هذا يتبين أن العين قادرة على التأثير على كل شيء في بعض الأحيان، وفي أحيانا أخرى ليست لديها القدرة على التأثير، وكذلك لها تأثير لا علاقة له بالزمن، فهو يؤثر مستقبلا ويؤثر على الماضي، وهي تؤثر مباشرة بعد الحدث، وأحيانا بعد فترة طويلة، وهي أيضا تؤثر على المصاب بها لفترة طويلة وأحيانا لفترة وجيزة، وكذلك لها القدرة على قطع سلسلة عقد لتسقط حباته أو تؤثر لتكون انفجارا ضخما، وهو يصيب الإنسان بأعراض محددة، ولكنه في نفس الوقت ليست لديه حدود في الأعراض، تعريف شامل كامل متناقض… أن تعرف الشيء بأن كل شيء، فكأنك لم تعرفه أبدا.

ملاحظة ضرورية قبل الخوض في صلب الموضوع

بالطبع موضوع العين حساس جدا لبعض الناس، وطرحه من الناحية العلمية يشكل لهم قلقا لأنه قد يخالف اعتقادهم فيها، أنا أطرح الموضوع لا لأغير رأيك، ولكن لكي تعرف كيف يعمل العلم، وكيف يدحض أو يؤكد فرضية أو فكرة أو ما شابه، بعد أن أطرح كل ما لدي، لك الحرية الكاملة في إعادة النظر فيما ذكرته، فإما أن تقبله أو ترفضه، الأطروحة التي سأقدمها لك لم أقدمها لكي أفرض عليك أي فكرة، إنما هي لكي أثري لك جوانب قد تكون فاتتك في السابق ولم تفكر فيها.

الشيء الآخر، كما هي العادة، لن أطرح الموضوع من الجانب الديني، الجانب الديني محترم، وله طرقه في فهم وتفسير الظواهر، لست متخصصا فيه حتى أطرحه هنا وأناقش معانيه، أنا فقط سأسلط الضوء على الجانب العلمي للعين، وإن كانت بعض الأفكار التي سأطرحها قد تتصادم مع تفسيرك لبعض الآيات أو الأحاديث، إلا أن من الضروري أن تعرفها، وقد تساعدك في إعادة النظر في بعض التفاسير التي اختزلتها في حياتك.

الآن بعد هذه الملاحظات، ننطلق إلى العين من الناحية العلمية.

العين في العلم

بداية، لابد أن أرفع دفاع أو حجة يستخدمها البعض لما أطرح موضوع علمي يتناول اعتقاد معين، فمثلا، لما أذكر أنني سأطرح العين من الجانب العلمي مباشرة أجد الرد من البعض أن العلم لا يستطيع أن يقيم تجاربه عليها، العين أمر غيبي أو خارج نطاق المادة، فتأثير العين في علم الغيب، ولا يمكن دراسة شيء يغيب من عالم المادة. وهذا الكلام صحيح في جوانب وخاطئ في جوانب أخرى.

أولا، الشخص الذي يقول هذا الشيء هو لا يقول أن العلم لا يستطيع دحض أو إثبات العين، ما يريد أن يبينه هو لو أن العلم دحض العين فالعلم لا يعمل، ولا يستطيع أن يثبت أو ينفي العين، ولكن لو أن العلم كان مع العين وأثبتها، لكان العلم يعمل بشكل سليم، لذلك تجد أن في الكثير من الأمور التي كانت غيبية يوما ما ثم أثبتها العلم أصبحنا نتبجح به جميعا، ونقول بأن العلم كشف لنا حقيقة ذكرت قبل 1400 عام، وترانا نمتدح العلم بكل ثقة، ولكن بمجرد أن يخبرنا بشيء مخالف يتعطل العلم فجأة، ولا يعمل بالشكل الصحيح، هذا إجحاف في حق العلم، يعمل إذا كان معك، ويتعطل إذا كان ضدك.

ثانيا، قد يقول شخص ما أن العلم لا يستطيع أن يخبرنا بالآلية التي تصيب العين بها الأشياء وتدمرها، لأن التدخل الذي يحدث على الأشياء هو خارج الطبيعة، ولذلك لا نستطيع بأي شكل من الأشكال أثبات كيفية عمل العين، وهنا بالإمكان قبول الاعتراض، فمثلا نتخيل صندوق محكم الإغلاق، ولا نستطيع فتحه ولا حتى بقنبلة نووية، تدخل بداخله دينار يخرج لك من الطرف الآخر 10 دنانير، أنت وضعت دينار، وهذا شيء تعلمه وتستطيع أن تجربه، وخرج لك من الطرف الآخر عشرة دنانير، وهذا أيضا شيء تعلمه وتستطيع أن تجربه، ولكن لا علم لك بكيفية تحويل الدينار إلى عشرة، وتظل مدى حياتك تستخدم الجهاز، تقدم له مدخلات، وتخرج لك مخرجات، ولكن لن تعرف كيف يحدث هذا الأمر، وهذا مقبول تماما.

ولكن في مقابل ذلك، هناك أمران أنت تستطيع معرفة كيفية عملهما، المدخلات والمخرجات، حتى ترى إذا كان الصندوق فقط يحول الدينار إلى عشرة، تستطيع أن تجرب وضع ورقة بيضاء لترى ما يخرج من الصندوق، من الممكن أن يعطيك 10 أوراق بيضاء مثلا، أو من الممكن أن تجرب إدخال الماء، لترى أن الجهاز لا يخرج شيء، وهكذا، تستطيع أن تقيم تجارب واحدة تلو الأخرى إلى أن تصل إلى فهم الجهاز من الخارج، أحيانا من الداخل.

لنتذكر أن التجارب العلمية تعمل كثيرا بهذا الشكل، العلماء في بدايات علم الذرة لم يعلموا علام تحتوي من إلكترونات وبروتونات ونيوترونات، ولكنها أجروا تجارب على طريقة عملها إلى أن علموا ما بها.

مثال آخر، العلماء يعرفون بوجود مادة داكنة في الكون، إذا سألتهم ما هي المادة الداكنة سيقول لك أنهم لا يعرفون ما هي، لأنهم لم يستطيعوا إلى الآن الكشف عن ماهيتها، ولكن إذا ما سألتهم عن أثر المادة الداكنة على الكون لسطروا لك قائمة من التأثيرات التي تؤكد لهم وجودها، فهم يرون تأثير تعديسها أو لويها للضوء، ويرون أيضا تأثيرها بداخل المجرات، حيث أنها تؤثر على سرعة دوران النجوم فيها، وكذلك علموا عنها بغياب تأثيرها، وهكذا، عدد من الأدلة التي يمكن مشاهدتها من خلال تأثير المادة الداكنة، ولذلك هم يعتقدون بوجودها، ولو طلبت منهم أن يثبتوا لك وجودها، لوجدت أنهم قادرين على إعطاء الأدلة المحسوسة الخارجية عليها، ولكنهم لا يعلمون ما هي إلى الآن.

كذلك العين، هناك أدلة محسوسة عليها، فنتائجها تحدث بمرأى من الحاضرين المشاهدين للحدث، إذن، فهذا شيء يمكن قياسه، أنا أرى شخص “تفز نفسه” أو يقول شيء بحماس وحقد، ومباشرة تنقلب السيارة، إذن، أنا أستطيع أن أقيس العلاقة ما بين تأثير نفس الشخص على تغيير الأحداث إلى الأسوأ، وهذا لا يحتاج مني الكشف عن كيفية حدوث هذا الشيء، كل ما أحتاجه هو الكشف عن سببية ارتباط “فزة” النفس مع انقلاب السيارة، وهذا يكفي أن يكون اختبار ليدل على تأثير العين.

إذن، العلم قادر أن يكشف ما إذا كانت هناك على الأقل علاقة سببية بين تأثير تفكير الشخص ذو العين الشريرة، أو لنقل النفس الشريرة على الشيء الذي أصيب بتلك النفس، وإلا لو أن العلم غير قادر العين لكان غير قادر أيضا على علم الطاقة، أو حتى أي ادعاء يدعي صاحبه أن يعمل خارج الطبيعة، فلماذا يعترض بعض المؤمنين بالعين على مدعي علم الطاقة بقولهم أنه لا يعالجون؟ فهؤلاء أيضا يدعون أن لديهم قدرة على التأثير على الآخرين، وتحسين صحتهم، وإذا ما قلنا لهم بأننا نستطيع أن نقيم تجارب على علم الطاقة قالوا لنا أن العلم لا يستطيع ذلك، لأن علم الطاقة خارج نطاق الطبيعة، ولذلك لا تستطيع أن نثبته أو ننفيه. ولذا لزم على المؤمن بالعين الإيمان بعلم الطاقة كذلك، حيث لا يمكن إقامة التجربة عليه أيضا، وعلينا أن نفسح المجال لأي شخص يدعي أي ادعاء خارج نطاق الطبيعة، أمر سهل، ويمكن للكثير من الناس القيام به.

كيف نعرف أن العين تؤثر في الأشياء؟

نحن نعرف عن تأثير العين من خلال بعض الآيات القرآنية والأحاديث، وحتى أكون أكثر دقة، نحن نعرفها من تفسير الآيات وتأويل الأحاديث، لأن حتى في هذا الأمر الناس تنقسم في تفسير الآيات والأحاديث، ولست بصدد أن أناقش الدين في هذا الموضوع، لأني غير مختص فيه، وكذلك لاحترامي له… كانت هذه هي الطريقة الأولى التي يعرف بها بعض الناس عن تأثير العين.

الطريقة الثانية عن طريق التجربة الشخصية، ويلحق ذلك السرد القصصي لهذه التجربة الشخصية للآخرين، فيصدق الناس القصة. وقد تكلمت مرارا وتكرارا عن التجربة الشخصية والسرد القصصي، كلنا يجرب تجارب شخصية، ويتعلم منها، ولا أحد ينكر أنك رأيت شخصا ما نظر إلى شيء وأعجب به، واستنفرت نفسه، ثم تأثر ذلك الشيء تأثرا سلبيا في نفس الوقت تقريبا، وهذا أمر يحدث للجميع، أنا شخصيا رأيت هذا الشيء مرات، وقد تحدث لي بين فترة وأخرى أنني أعجب بشيء ما ثم يحدث مكروه لذلك الشيء.

المشكلة في التجربة الشخصية ليست أنك رأيت هذا الشيء يحدث أمامك، إنما تفسيرك لحدوث هذا الشيء، وتصورك أن ما رأيته هو سببي وليس تزامني، الكثير من الناس تتصور أن تزامن حدوث حدثين دليل على أن الأول سبب الثاني، وهذا ليس بالضرورة أن يكون صحيحا. وقد بين العلم مرات عديدة أن التجربة الشخصية تشوبها المشاكل الكثيرة، عقولنا كثيرا من تخطئ، وقد تكلمت مرارا عن مغالطة “التزامن لا يعني التسبب”، حدوث شيء مع شيء آخر لا يعني بالضرورة أنه مسبب له.

حتى لو أنك رأيت هذا الأمر مرات عديدة، لا تستطيع أن تحكم بالقول أن العين هي السبب في إحداث مكروه، ببساطة لأنك منحاز للعين إما بسبب المعلومات النقلية، أو للمغالطات المنطقية، أو لأنك فعليا لا تقوم بتجربة منضبطة.

خذ على سبيل المثال كارثة بيروت التي حدثت بتاريخ 4-أغسطس 2020، انفجر مستودع يحتوي على نيترات الأمونيوم، ودمرت مساحة شاسعة من الأرض، قتل وجرح الكثير من الناس، وقلعت بعض المباني من الأرض، ودمرت وأزيلت حوائط مباني أخرى، وهشم الزجاج، ومسحت الأرض من حولها، كارثة لا تقارن إلا بتأثير القنابل الذرية في قوتها التدميرية، والحمد لله أنها لم تكن قنبلة ذرية، لأن تأثير مثل هذه القنابل لا يتوقف على المكان، بل حتى الزمان، حيث تبقى آثارها الإشعاعية فترات طويلة جدا.

لو كنت تتابع هذا الموضوع على التواصل الاجتماعي، لوجدت أكبر دليل على كيفية سقوط الناس في مغالطة التزامن، حينما ربطوا الكارثة بشخص معروف بين حبه للبنان قبل الحادث الأليم بيومين تقريبا، ما دخل هذا الشخص بكارثة لبنان، وكيف جعلوه هو السبب في إصابة لبنان بالعين؟ هل لأنه مدح قبلها بيومين؟ وعلى افتراض أن العين فعلا تؤثر، هل بحثوا لربما وجدوا شخصا آخر يمتدح لبنان، وربما كان هو السبب الحقيقي؟ هل لأنه شخص مشهور وكان ظاهرا لهم مديحه فاتهموه؟ طيب هل شيك الذين اتهموه على حسابه ليروا كم مرة مدح دولة أو منطقة أو شخص، ولم يحدث لتلك الدولة أو المنطقة أو الشخص شيء؟ أم أنهم اختاروا بانتقائية تامة واحدة من تغريداته الإيجابية من بين المئات ليقدموا حكما سريعا؟

وهذه مغالطة أخرى يجب الانتباه لها، وهي مغالطة الانحياز التأكيدي 3)الانحياز التأكيدي، وهو أننا ننتقي ما يتوافق مع ما نعتقده، ونترك ما لا يتوافق معها، كما ذكرت، لو ذهبت إلى حساب ذلك الشخص لوجدت أنه إيجابي إلى أقصى الحدود، وكلماته دائما معبرة عن حبه للدول الناس، وكثيرا ما يمتدح ما يحبه، ومع ذلك لا تجد أن امتداحه للأشياء أثر سلبا عليها، فلماذا انتخب الناس تغريدة أو تغريدتين لتكونان دليلا على أن عينه حارة؟

الانحياز التأكيدي هو ما نقوم به دائما مع العين، تجد شخص ينظر لشيء ويعجب به، ثم يصرح على ما في نفسه، ويحدث وأن أصيب ذلك الشيء بمكروه فننتقي ذلك الإعجاب بهذا الحدث ونجعله السبب في الحادث، ولا ننتبه إلى أن الشخص ذاته امتدح ويمتدح أشياء كثيرة في حياته، ولكن لا شيء يحدث لها، لماذا لا ننتبه لها؟ ببساطة لأن شيئا لم يحدث، لم يكن هناك حدثا عنيفا يثير عواطفنا، وبما أن العواطف تؤثر على حفظ المعلومة نتجه لحفظ الحدث المؤثر وننسى تماما الأحداث الاعتيادية.

سنبقى متيقظين لأحداث سلبية من هذا النوع، حتى إذا ما صدرت أي كلمة إيجابية من الشخص نفسه، وحدث أمر سلبي نسجلها له في كل مرة، وتدريجيا نتهمه بأنه شخص سيء، ونتفادى التعامل معه، ونخفف من إظهار أي أمور إيجابية أمامه، ونُحذّر منه، ونُكره الناس فيه، وفي حالة ذلك الشخص المشهور نتنمر عليه بالتواصل الاجتماعي، حتى ضاقت عليه نفسه من ردود الناس، وهو لا ذنب له، ولا أثر لعينيه على شيء… مجتمع يظلم من غير دليل.

هل يعقل أن الأعداد الكبيرة من الناس مخطئة؟

هل الأكثرية دليل على الصحة؟ هل الأكثرية تخطئ؟ بالطبع هذا الشيء بإمكانها أن تخطئ، ويحدث ذلك كثيرا. لما يحاجج الناس من الديانات المختلفة ديانات أخرى، فهذا ادعاء ضمني أن الكثير من الناس وبكميات هائلة بإمكانها أن تؤمن بمعلومات خاطئة سواء أكنت مسلم تحاجج مسيحي أو مسيحي يحاجج مسلم أو ما شابه، وهذا لا ينطبق فقط على الديانات، حتى اليوم تنتشر الكثير من الخرافات مثل تعليم الأطفال بوجود بابا نويل، رغم أنهم يكتشفون لاحقا أنه غير حقيقي إلا أن بعض الآباء لا يرتدعون عن نشر المعلومة الخاطئة، أو خرافة مرور القطة السوداء أو كسر المرآة اللتان تجلبان النحس، وينطبق ذلك على ترك المقص مفتوحا أو حتى الرقم 13، أو الطرق على الخشب أو رش الملح خلف الظهر لطرد النحس أو العين، وكذلك فكرة علم الطاقة، يصدقها عدد كبير من الناس، فهل كثرة الناس دليل على صحة فكرة؟ لو كانت كذلك كان من المفروض أن يتبنى الجميع كل هذه الأفكار لشيوعها.

يطلق على هذه المغالطة “التوسل بالأكثرية”4)مغالطة التوسل بالأكثرية، يجب ألا نعتمد على الأكثرية. المفروض أن نعتمد على المبادئ العلمية والعقلية الصحيحة.

ماذا عن التجارب في العين؟

الآن نأتي لدور التجربة العلمية في الكشف عن تأثير العين، نتساءل هل أقام العلم تجارب تربط ما بين التأثير العقلي أو النفسي على الأشياء؟ نعم، لقد قام العلم بالتجارب واحدة تلو الأخرى على تأثير التفكير أو العقل أو النفس على الأشياء، وفشل جميع التجارب في تبيان أي قدرة على تغيير شيء من غير تدخل فعلي، ولم يتوقف العلم فقط عند هذه النقطة، بل لقد جرب الجيش الأمريكي نفس هذه التجارب لسنوات، ولكنها فشلت تماما من الحصول على أي نتائج بالإمكان استخدامها في الحرب.

على مدى السنوات أقيمت تجارب Psychokinesis أو Telekinesis، وهي قدرة الشخص على التأثير الفعلي على الأشياء من غير التدخل الفيزيائي physical عليها، لاحظ الأمر المهم في هذا الشيء، هو أن هذه التجارب لا تحدد كيف يكون التأثير، كل ما هنالك أن يقوم الشخص بالتأثير على الأشياء من غير التفاعل الفعلي المادي معها، تقوم بها عن طريق الروح، عن طريق العقل، عن طريق الوعي، عن طريق النفس، أو عن طريق العين (والتي ذكرنا سابقا أنها ليس العين بحد ذاتها إنما العقل أو النفس)، ولم تفلح هذه التجارب.

على سبيل المثال، أقام العالم جوزيف راين Joseph Rhine 5)Joseph Rhine من جامعة دوك Duke University بتجارب بسيطة جدا، لمعرفة تأثير العقل على تغيير نتائج رمي النرد، تذكر أن المؤمن بالعين يقول لك أن العين تقلب سيارة وتطيح بالحصان وتسبب انفجار، أمور عظيمة، ليست هينة نهائيا، ولذلك لابد أنها تستطيع أن تقوم بأشياء أقل من ذلك بكثير، هذه التجربة أبسط بكثير من قوة العين الخارقة، كل ما هو مطلوب أن يقوم الشخص بالتأثير على النرد للحصول على أرقام ليست عشوائية، وقد حصل على نتائج تدل ولو بشكل طفيف على أن بالإمكان التأثير على النرد، ولكن بعد تفحص العلماء الآخرين تجاربه، وجدوا مغالطات بالحسابات الإحصائية، ولما حاول العلماء تقليد تجاربه لم ينجح أي منهم في تكرارها، والعلم يؤكد الأشياء بالتكرار، تجارب فاشلة تماما.

بل حتى إن الجيش الأمريكي حاول أن يستغل التأثير بالعقل أو النفس على الأشياء لصالحه في الحروب، قرأت مجموعة من الوثائق الموجودة على صفحات CIA عن هذا الموضوع 6)CIA Studies on Psychokinesis، الأوراق قديمة، وبعضها يرجع للثلاثينيات ووجد ورقة ترجع إلى 19747)Physics, Entropy and Psychokinesis، أوراق كانت سرية رفعت عنها السرية عام 2003، كانت تبين إمكانية وجود تأثيرات للتفكير على الأشياء المجال المغناطيسي وأمور حساسة أخرى، ولكن في عام 1984 طلب الجيش الأمريكي من الأكاديمية الوطنية للعلوم تقصي موضوع السيكوكنينسس Psychokinesis على تعطيل أو تشويش رادارات للأعداء، وبعد 3 سنوات من البحث خلصت الأكاديمية المرموقة إلى أن التأثير العقلي عن بعد لا وجود له من الناحية العلمية.

ماذا يحدث لو أن هناك أشخاصا فعلا يمتلكون عيونا شريرة، ألا تعتقد أن الدول القوية ستستخدمهم لصالحها؟ حتى على افتراض لو أن العين لا تصيب في كل مرة، وحتى قلنا أن الشخص ليس لديه التحكم الكامل في العين، ولكن نحن متأكدون لو أننا جمعنا 1000 شخص وطلبنا منهم التركيز على دولة عدوة لتدميرها، ونجح شخص واحد من بين 1000 بالفتك في الدولة الأخرى، لما احتاجت الدول لصرف ميزانيات هائلة لتكوين جيوش، ولما صرفت مبالغ طائلة لإنتاج السلاح المطور سنة بعد سنة، تستطيع أن تعطي كم مليون دولار لكل شخص من أصحاب العيون الشريرة، وحتى مع صرف ملايين ستوفر الدول المليارات من الدولارات.

الطريقة الوحيدة التي بإمكاننا استخدام التأثير العقلي على الأشياء هو بوضع أجهزة تقرأ إشارات المخ إما بداخل المخ أو على جلدة الرأس، والأجهزة التي على الرأس حساسة جدا تلتقط إشارات كهربائية ضعيفة جدا، ولولا حساسية هذه الأجهزة لما استطعنا التقاط هذه الإشارات، لا بل الإشارات التي تصل إلى الجلدة مشوشة تماما، وحتى الأجهزة التي تقرأها تحلل الإشارات المعقدة التي تشوبها الكثير التداخلات لتخرج بنتيجة مليئة بالأخطاء، وغير دقيقة، إذن حتى هذه الإشارات لا يمكن الاتكال عليها لتعليل العين.

لنفترض أن بعد كل هذا أنت غير مقتنع، وتقول: “لعل العلم يستطيع أن يكشف لنا يوما ما إشارات مختلفة تماما، وهي السبب في التأثير على الأشياء، صحيح أن العلم جرب، ولكن الأجهزة لا تستطيع أن تقيس قدرة العين على توجيه سهامها إلى الضحية،” الجواب: لم ننته بعد، العلم لا يتوقف عند تجارب العين التي فشلت، فلو أن العين لها هذا التأثير المزعم لحصلت كارثة علمية عظمية.

الآن نأتي إلى الجانب الآخر من العين، الشيء الذي تصيبه العين، لنرى إمكانية تأثر الشيء المصاب من قوى خارج الطبيعة من غير أن تخل بقوانين الطبيعة. وهنا مربط الفرس، إذا استطعت أن تنفذ من كل الحواجز التي طرحتها سابقا، لديك الآن مشكلة عويصة جدا، مشكلة لا يمكن لك الخروج منها أبدا، قوانين الفيزياء، قانون حفظ الطاقة، والقوى الأربعة، والطاقة، وسرعة الضوء وتأثير مربع المسافة.

لنأخذ قانون حفظ الطاقة 8)قانون حفظ الطاقة، الطاقة لا تفنى ولا تخلق من العدم، أنت الآن تعيش في عالم يمكن تبرير كل حركة فيه، الطاقات تتحول من طاقة كهربائية، ثم إلى طاقة استاتيكية، وإلى طاقة حرارية، وهكذا، نتساءل بأي طاقة من الطاقات استطاع ذو العين أن يقلب السيارة أو حتى يحرك ذرة، إذا كانت هذه الطاقة أتية من خارج الطبيعة، لتؤثر في ميزان الطبيعة إذن أنت خالفت قانون هائل، قانون حفظ الطاقة، وبهذا في كل مرة تستنفر نفس شخص على الكرة الأرضية يدخل طاقة لم تكن موجودة في الكون، أتت من جهة خارجية، وبهذا أصبح قانون حفظ الطاقة لا معنى له أبدا، وهذه أول المصائب.

بعد ذلك لديك مشكلة أخرى، وهي القوى المعروفة في الفيزياء، هناك أربعة قوى لها قوانين دقيقة جدا جدا جدا، نستطيع أن نحسبها بدقة خطيرة، وهذه القوى هي الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة، والقوة النووية القوية، كلها معروفة، وبناء عليها نستطيع أن نصنع أجهزة قياس لمعرفة تأثيراتها، لو أن أي قوة مختلفة كانت موجودة وتؤثر على النظام الكوني من أصغر شيء إلى أكبر شيء، لكانت جميع أجهزة القياس غير صالحة للاستخدام، لأنها في كل مرة ستعطينا قياسات مختلفة ليست من ضمن القوانين التي بنيت باستخدامها.

الفيزيائي شون كارول يقول9)Psychokinesis: “أن الملاعق (وهنا يقصد الناس الذين يؤثرون على الملاعق لثنيها)، مثلها مثل كل المواد، تتكون من ذرات، وأن أي حركة للملعقة مع العقل تتضمن معالجة تلك الذرات من خلال قوى الطبيعة الأربع: القوة النووية القوية، القوة النووية الضعيفة القوة الكهرومغناطيسية والجاذبية. يجب أن يكون التحريك النفسي إما شكلاً من أشكال إحدى هذه القوى الأربع، أو قوة جديدة لها جزء من المليار من قوة الجاذبية، وإلا فقد تم التقاطها في تجارب أجريت بالفعل. هذا لا يترك أي قوة يمكن أن تكون مسؤولة عن سايكوكانيسس،” يقصد أن يقول أن هذه القوة التي يذكرون تأثيرها على الأشياء لو كانت جزء من مليار من قوة الجاذبية (والجاذبية أصلا ضعيفة جدا)، لاستطاع العلماء التقاطها بأجهزتهم الدقيقة جدا، ولكنها غير موجودة، ولو كانت من ضمن القوى المعروفة أيضا لقاسها العلماء، ولو اعترض أحد في أن من الممكن أن تكون القوة أضعف من الجاذبية بمليار مرة، عندئد نسأله، كيف إذن أطاحت بحصان أو قلبت سيارة أو فجرت قنبلة؟

وقد ادعى الكثير من الناس أنهم قادرين على تحريك الأشياء بأفكارهم، ولكنهم فشلوا تحت التجربة، بل كشف بعضهم أنه نصاب يحاول يستخدم أساليب الخداع التي تمر على بسهولة على الناس الذين يصدقون هذه الأمور، ولكنها لم تمر على التجارب المنضبطة.

التأثير عن بعد مدروس ومن الدراسات علمنا أن الإنسان لا يستطيع حتى أن يؤثر على أبسط الأشياء، ناهيك عن قلب سيارة أو الإطاحة بحصان أو ما شابه، وكذلك العين تخالف كل قوانين الطبيعة، العين لا تخالف فقط النظريات العلمية، بل حتى القوانين الفيزيائية الأساسية، من يريد أن يبين تأثيرها ليس المطلوب منه أن يبين كيفية عملها، سنعتبر أن هذا الأمر مخفي عن قدرة الإنسان، كل المطلوب منه أن يبين أن هناك علاقة سببية بين الشخص الذي تستنفر نفسه، وبين النتيجة، ولا يكفي أن نسرد قصص، أو تجربة شخصية، فالتجربة الشخصية تتأثر بالانحياز التأكيدي، وتنتقي الأحداث التي تتوافق مع الفرضية، بالإضافة لذلك، نحن نقع في مغالطة التزامن يعني التسبب، والتي تشعر الإنسان أن هناك ربط بين الأحداث، لذلك نتفادى المغالطات ذلك بالتجربة العلمية المنضبطة.

لماذا يعتقد الناس بالعين؟

دراسة علمية نشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America 10)Other people’s gaze encoded as implied motion in the human brain، بينت أن حينما ينظر شخص بعينيه إلى شيء ما يشعر الآخرون أن هناك حركة بصرية تخرج من عينيه، فعليا لا توجد حركة خارجة من العين، ولكن يتكون لديهم شعور يدل على ذلك، هذه الدراسة ليست نفسية، إنما استخدم فيها إم آر آي لمعرفة ما يحدث بداخل أدمغة الناس.

تذكر الورقة أن من أهم الأمور لقراءة ما يفكر به وينويه الآخرون معرفة إلى أين ينظرون، الدراسات تبين أننا نكون نموذج ضمني لنظر الآخرين بنظرة ثاقبة، ونكون صورة تخيلية لأشعة متمددة تحمل قوة من عين الشخص، أو أنها قوة تجري من عين الشخص إلى الشيء الذي ينظر إليه، اتضح من البحث أن مخ الإنسان وكأنه يرسم أسهما خارجة من العين، لماذا؟ حتى يفهم الشخص إلام ينظر الأخر، وهذا الشيء يفسر استخدام الكثير من الناس لكلمة سهام تخرج من العين لتبيان أثر العين، هذه السهام هي صورة تخيلية تتكون في المخ أوتوماتيكيا، ولها أهمية في العلاقات الاجتماعية. وتذكر الورقة أيضا أن الناس في الغالب لا تشعر أنها تتكون في الذهن، وفي نفس الوقت الذي تتكون هذه الصورة الداخلية يشعر البعض أن هناك قوة ناعمة تؤثر على الأشياء.

إذن، العين بحسب العلم لا أثر لها على الأشياء، سواء بالدليل العلمي أو المنطقي على مستوى المغالطات، بل يذهب العلم لأبعد من ذلك ليبن كيف يعمل المخ لما نفكر في العين، وما الفكرة التي تتكون حينما نفكر فيم ينظر إليه شخص، وكيف يتكون لدينا شعور بأن هناك سهاما تنطلق من العين وتؤثر بقوة 11)Implied motion as a possible mechanism for encoding other people’s attention. ليس إلا مجرد شعور يتكون لدى الإنسان، ويربطه بأحداث تزامنت مع بعض، فأصبح يظن أن هناك ترابط سببي. العلم لم يحاول أن يجد الوسيلة أو الطريقة التي تؤثر بها العين، بل بحث في المؤثر والمتأثر، ومنه وصل إلى النتائج تبين أن العين لا تؤثر على الأشياء.

إلى هنا نأتي إلى نهاية الجزء الأول، بعد أربع سنوات من البحث أتمنى أن تصبروا على طول الحلقة. في الحلقة القادمة سأقدم لكم أبحاثا عجيبة في علم النفس، ستسمعون أشياء لم تتوقعوها عن العين.

المصادر   [ + ]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكرا دكتور على المعلومات القيمة
    يا ريت لو تحط اسم المقاطع الموسيقية المستخدمة في البودكاست
    اتمنى لك التوفيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى